أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

190

العقد الفريد

من شعر ماني : قال الحسن بن هانئ : لقيت مانيا الموسوس ، فأنشدني : شعر حيّ أتاك من لفظ ميت * صار بين الحياة والموت وقفا قد برت جسمه الحوادث حتى * كاد عن أعين البريّة يخفى لو تأمّلتني لتبصر شخصي * لم تبيّن من المحاسن حرفا من شعر جعيفران : ثم مضيت فأتيت جعيفران الموسوس ، وهو شيخ من بني هاشم أرتّ « 1 » اللسان ، وعليه قيد من فضة ، وفي عنقه غل من ذهب ؛ فقال لي : من أين دببت يا حسن ؟ قلت : من بيت مانويه . فقال : في حرام مانويه . فدعا بدواة وقرطاس ، وقال لي : اكتب . ما غرّد الديك ليلا في دجنّته * إلا حثثت إليك السير مجهودا « 2 » ولا هدت كلّ عين لذّ راقدها * بنومة في لذيذ العيش ممهودا إلا امتطيت الدّجا شوقا إليك ولو * أصبحت في حلق الأقياد مصفودا « 3 » أسعى مخاطرة بالنّفس يا أملي * والليل مدّرع أثوابه السّودا فلم ترقّ ولم ترث لمكتئب * زوّدته حركات القلب تزويدا هيهات لا غدر في جنّ ولا بشر * من الخلائق إلا فيك موجودا من شعر عدرد : ثم قال : خرق رقعة مانويه . فخرقتها ثم مضيت ، فلقيت عدرد المصاب وحوله الصبيان ، وهو يلطم وجهه ويبكي ، وينادي : أيها الناس ، الفراق مرّ المذاق ! فقلت له : أبا محمد ، من أين أقبلت ؟ قال : شيعت الحاج . قلت ، وما الذي حملك على

--> ( 1 ) أرت : في لسانه رتّة ، والرته : عجلة في الكلام وقلة أناة . ( 2 ) الدجنة : السواد والظلمة . ( 3 ) صفده : شده وأوثقه .